مجموعة مؤلفين
196
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
بأنه اطلع على تراث الفلاسفة وحصل منه تحصيلا قويّا متينا تبين له منه أن أولئك الحكماء يصيبون كثيرا ويخطئون أحيانا ، وأن الذين ينبذون كل منتجاتهم ويحكمون على جميع تآليفهم بالخطأ هم السطحيون الذين لا تحصيل عندهم ، وهو في هذا يقول : « إن معنى الفيلسوف هو المحب للحكمة والحكمة غاية كل عاقل . . . فإياك أن تبادر إلى إنكار مسألة قالها فيلسوف ، وتقول هذا مذهب الفلاسفة ، فإن هذا قول من لا تحصيل له ، إذ ليس كل ما قاله الفيلسوف يكون باطلا ، فعسى أن تكون تلك المسألة مما عنده من حق . وقد وضع الحكماء من الفلاسفة كتبا كثيرة مشحونة بالحكم والتبرؤ من الشهوات ومكايد النفوس ، وما انطوت عليه من خفايا الضمائر . فكل ذلك علم صحيح موافق للشرائع . فلا تبادر يا أخي إلى الرد في مثل ذلك ، وتمهل وأثبت قول ذلك الفيلسوف حتى تحد النظر ، فقد يكون ذلك حقا موافقا للشريعة . وإذا أغضبنا مؤقتا عن نصوص ابن عربى ونظرنا نظرة متمهلة فيما كتبه أعلام الثقاة عنه ألفيناه يؤيد تأييدا قاطعا ما نذهب إليه من إبطال تلك الفريّة السطحية المفتاتة على الحقيقة والتاريخ . وهاك ما يقوله أحد أولئك الأفذاذ الذين يعتمد عليهم في مثل هذه الشؤون لأنهم لم يكتبوا ما كتبوه إلا بعد التحقق من صحته . ذلك العالم هو الصوفىّ الكبير الإمام عبد الوهاب الشعراني . إذ يقول في كتاب « اليواقيت والجواهر » ما نصه : « إن كلام محيي الدين إذا نظر فيه مجتهد في الشريعة ازداد علما إلى علمه ، واطلع على أسرار في وجوه الاستنباط ، وعلى تعليلات صحيحة لم تكن عنده ، أو لغوى ، أو مقرىء ، أو معبر للمنامات ، أو عالم بالطبيعة ، أو خبير بالطب ، أو عالم بالهندسة ، أو نحوى ، أو منطقي ، أو صوفي ، أو عالم بالحديث وطرقه ، أو بعلم الأسماء والحروف وأسرارها ، وجد لديه من العلم ما يذهل العقل ويحيره . »